|
ملف قضية "البني آدم السخيف"!؟

|
عُرفت هذه القضية في سجلات جهاز أمن الدولة (الأمن الداخلي) بملف قضية (البني آدم السخيف !؟) (1) .. والمتهم فيها رجل ليبي في الخمسين من عمره ضـُبط ذات مرة متلبسا ً بالجرم المشهود وهو يدعو بعد صلاة الفجر – مع سبق الإصرار والترصد – حيث كان جاثيا ً على ركبتيه ويرفع كلتا يديه عاليا ً قائلا ً وبحرقة واضحة وبصوت خافت ولكنه مسموع ومفهوم : ( يارب .. يا رب ! .. أمتى بس نفتكوا من هالبني آدم السخيف )!!!؟؟ .
والمسكين حينما كان يدعو بهذا الدعاء (المشبوه؟) الذي تـُشتم منه رائحة المعارضة بل رائحة المعاداة للثورة وإنجازاتها التاريخية العظيمة غير المسبوقة وللجماهيرية العظمى ونظامها الشعبي البديع كان لا يتوقع يومها ولا يخطر بباله أبدا ً أن ليس الله وحده من كان يطلع على دعاءه ويسمع نداءه في تلك اللحظة الخاصة بل كان هناك (الآخرون؟) ممن يستمعوا ويتنصتوا على همساته ويراقبوا تحركاته بكل دقة وإهتمام لصالح الثورة !! .. ففي الجماهيرية العظمى وكما هو معروف للجدران آذان وأي أذان! .. ولجهاز أمن الدولة – دولة الأخ العقيد والقايد الملهم الفريد - عيون وأذان وأنوف في كل مكان ووسط جميع السكان بل حتى في بيوت الرحمان !؟؟ .. وبالتأكيد أن صاحبنا – المتهم في هذه القضية الأمنية الخطيرة التي تهدد أمن الجماهيرية العظمى وتهز أركان المجتمع الجماهيري الحر السعيد ! – لم يكن يخطر في باله أبدا ً يوم تفوه بذلك الدعاء هذا الخاطر البعيد! .
صاحب هذه القضية الشائكة والخطيرة الذي أصبح يـُطلق عليه إسم (البني آدم السخيف !!) في مكاتب الأمن الداخلي وداخل المعتقلات الأمنية ظل يتعرض للتحقيق والتعذيب على مدار سنة كاملة وذاق خلالها ما يخطر بالبال وما لا يخطر بالبال من أصناف وطرق وفنون التعذيب داخل معتقلات أول جماهيرية في التاريخ ! .. حتى أنه كان يتساءل في دهشة وذهول وهو ينظر إلى الأشخاص الذين يقومون بتعذيبه بكل تلك الطرق المرعبة والمهينة والمؤلمة : هل هم ليبيون ؟؟ .. ليبيون مثلنا أبا ً عن جد !!!؟؟؟.
كان المشرف على تعذيبه حينها ضابط معتوه سادي يـُدعى الأفندي (بوفروة) !!! .. قيل أنه كان قبل ذلك يعمل برتبة رئيس عرفاء في الشرطة العسكرية فأكتشف بعض رجال المخابرات العسكرية مواهبه السادية الخاصة والمتخصصة في التعامل مع السجناء العسكريين الفارين من الخدمة أو المعاقبين بالسجن لسبب من أسباب الخدمة العسكرية فزكاه ضابط المخابرات هذا لدى بعض قيادات أمن الجماهيرية والأمن الداخلي ممن كان يلتقي معهم في (جلسات المنكر !!) مما جعلهم يستعينون به وبمواهبه الفذة – غير العادية وغير الطبيعية ! – في التعامل مع المعتقلين الليبيين السياسيين وفي عمليات التحقيق معهم أو ترويضهم داخل المعتقلات بغرض تجهيزهم لعملية التحقيقات وللإدلاء بالإعترافات المطلوبة في أسرع وقت ممكن بلا تعطيل ومماطلة!.. وكان (بوفروة) بالفعل عند حسن ظن قادته الأمنيين حيث كان إسما ً على مسمى بالفعل وكان – والحق يُقال - موهبة فذة غير عادية وغير طبيعية في هذا المجال حتى أن رئيسه المباشر كان يفخر به دائما ً مرددا ً :
( والله هالحقير بوفروة إبن الــ( قــ……) أستاذ وفنان بالفعل ومافيش منه إثنين !!! .. وأنا أتحدى أن تجدوا شخصا ً مثله وفي مثل مواهبه النادرة في أي مكان من العالم ولا حتى في إسرائيل ! … ههههههههه ) .. ( والله هالحقير إبن الــ — مكسب كبير من مكاسب الثورة !!! .. هاهاهاها) .. ويغرق هو ومن حوله في القهقهة حتى تدمع أعينهم من شدة الضحك !!!.
كانت الخطوة الأولى في التعامل مع أي معتقل سياسي ممن يُطلق عليهم صفة (الزنادقة) إن كان يـُعتقد أنه من الإسلاميين أو ممن يُطلق عليهم لقب (الكلاب الضالة) إن كان يـُعتقد أنه من المعارضيين السياسيين من غير الإسلاميين هو تجهيزه لعملية التحقيقات والإعترافات اللازمة .. أي القيام بعملية (تطييبه) على نار ساخنة كما كان يـُطلق عليها في التعامل اليومي داخل أسوار المعتقلات وداخل مكاتب الأمن الداخلي ! .. حيث كان الضابط المشرف على عملية التحقيقات يصيح عبر الهاتف الداخلي في الأفندي (أبو فروة) :
- هاه يا سي بو فروة جهزتولنا هالحيوان وإلا لا ؟ .. طيبتوه وإلا مازال !؟
- إطمئن يا سيدي الأمور ماشية كويس ! .. عطيني خمس دقايق بس وتكون الخبيزة الساخنة قاعدة عندك فوق المكتب !! .
فكان – حسب روتين العاملين في سلك التحقيقات بالأمن الداخلي - لابد من تجهيز (الحيوان/المتهم/المدان) مسبقا ً بشكل جيد بحيث لا يصل إلى مكتب المحقق إلا وهو في تمام الجاهزية للإدلاء بالإعترافات المطلوبة بلا أية مماطلة ولا تأخير ولا هم يحزنون! .. أي أن يكون المتهم - على رأي أحد المحققين - ( طايب نيين قايل بس! .. تزره بإصبعك يقر ويعترف ويفرغ الشوال إللي عنده !!) .
وهذا ما أرادوا تطبيقه بالفعل يومها على هذا السجين (السياسي!!؟؟) الذي بات معروفا ً لدى الجميع بـ(البني آدم السخيف) يوم تم إعتقاله وتم جلبه في شنطة السيارة الخلفية لمكتب الأمن الداخلي بعد صلاة الفجر فقد عمل (بوفروة) على تطيـيبه وتسويته بشكل جيد إلا أن الأخ (البني آدم السخيف) كما بات يُعرف في هذه القضيةً (سكر راسه) و(عـنز) يومها أشد (التعنيز)(2) ورفض الإعتراف والإقرار الشفهي أو الخطي بأنه كان يقصد بعبارة (البني آدم السخيف) التي ذكرها في دعاءه المذكور أعلاه شخص (الأخ قائد الثورة) !! .. لذلك زادت وطالت مدة التعذيب والتطيـيب في حقه داخل زنازين المعتقلات التي زارها وفي مكاتب الأمن الداخلي التي تنقل بينها .. وتعرض المسكين لتجريب كل الطرق والفنون التي يجيدها – سيئ الذكر - الأفندي (بوفروة) من الفلقة الإسرائيلية إلى الفلقة المصرية وصولا ً إلى الفلقة الروسية ! .. وعروه من كامل ملابسه الممزقة وعلقوه من رجليه بحبل يتدلى من السقف وجلدوه بسلك كهربائي (كابل) على ظهره ومؤخرته وعبثوا بالمناطق الحساسة من بدنه من الخلف والإمام وهم يتضاحكون وأحيانا ً يشتمونه ويشتمون أباه وأمه وزوجته بأقذع الألفاظ حتى كان المسكين يغمى عليه من شدة الألم الحسي والإذلال النفسي ! .. وكان الأستاذ (بوفروه) – كما يطلق عليه البعض - يأمر معاونية من الجنود بالإستمرار من بعده في عملية جلد وضرب (هالبني آدم السخيف) إلى أن يتبول ويتغوط (هالحيوان) على نفسه – على حد تعبيره - فكان (بوفروة) يمر بين الحين والحين على غرفة التعذيب حيث زبانية النظام الجماهيري البديع يمارسون وظيفتهم الرسمية في خدمة الثورة وأهدافها السامية فيسألهم بضيق وتبرم : ( هاه !؟ .. إنخرق هالحيوان على روحه وإلا مازال !؟ .. عملها وإلا مازال !!؟)(3) فإذا كان الجواب بالنفي أمرهم بالإستمرار في جلده وضربه ولطمه وركله حتى يتحقق الغرض المنشود! .. وكان المسكين الشهير بـ(البني آدم السخيف) في كل مرة وتحت وطأة التعذيب ال
المزيد