هويتي : وطني إسلامي ديموقراطي

أنا والموبـِقات الثلاث !؟؟

كتبهاسليم الرقعي ، في 12 نوفمبر 2009 الساعة: 16:11 م

أنا والموبـِقات الثلاث !؟؟

- حول الليبيين وفوبيا الحكومة (1) !  -

يردد بعض الليبيين (نكتة) أو (مقولة)  مروية عن أهل البادية من الليبيين (البوادي)(*) – والليبيون معظمهم ذوو ثقافة بدوية مهما إختلفت درجات تعليمهم وتحضرهم – ومفاد هذه "النكته" أو "المقوله" بأن البدوي أول نصيحة يتقدم بها لأبنه هي كالتالي :

(ثلاث حاجات يا ولدي ردباااااااالك تقربهن و ردبالك تجي شورهن طول حياتك راهن نارهن حاميه : الحاجه الأولى "المرابطين"! والثانية "الظي"! - أي الكهرباء - والثالثة "الحكومه"! … ردبااااالك تقرب شور هالثلاثة الله يرحم بيك راه نارهن حمره) !!؟؟.

أنا شخصيا ً وعلى الرغم من أصولي البدوية لم أسمع من أبي – رحمه الله – مثل هذه النصيحة ولا حذرني من هذه "الموبقات" و"الخطوط الحمراء" الثلاث! .. ربما لأنه توفى في وقت مبكر من طفولتي .. ولا سمعت من عمي – رحمه الله – الذي قام على تربيتي بعد رحيل أبي هذه النصيحة البدوية الموروثة ولا حذرني هو الآخر في يوم من الأيام من هذه الموبقات الثلاث ! .. إلا أنني يوم أخبرته بأنني قد إلتحقت بمعهد الكهرباء بعد نجاحي في الإعدادية بتقدير "جيد" إكتفى بتلك الإبتسامة العريضة الصادقة والطيبة التي تزين وجهه الكريم البشوش مرددا ً : (وباهي ! .. وباهي ! .. كل شئ على البركه !) .. أما أحد أبناء عمومتي في مدينة "إجدابيا" – والحق يُقال – أشفق عليّ من حكاية الكهرباء هذه! .. ويوم سمع أنني سجلت بمعهد الكهرباء ترك كل ما في يده وجاء يجري من آخر المدينة نحو بيتنا بأقصى سرعة وحينما فتحت له الباب وجدت المسكين في حالة يُرثى لها جاحظ العينين ينظر إليّ نظرات مشفقة ومرتعبه وقال لي على الفور بصوت مرتعش :

- صحيح هالخبر إللي سمعتْ بيه يابن والدي؟ .. صحيح تريد تخش لمعهد الكهرباء !!!!!؟؟

- أيوه صح .. شنو الغريب في هذا يا بوب ناخي؟

- أنت بجدك وإلا تلعب؟ .. وين عقلك؟؟ .. وين !!!؟؟ … أنت عارف شنو معناها "الظي"؟ .. تعرف شنو يصيرله إللي يخبطه الظي؟؟؟ جربت خبطة الظي من قبل؟؟ ..وتعرف شنو هالكهرباء هذه إللي توه تبي تمشيلها بكرعيك وتلمسها بيديك؟ .. تعرف وإلا لا !!؟ .. هاه ؟ .. كذا قولي !!؟؟.

- لا مش عارف! .. وهاذا عليش أصلا ً نبي نخش للمعهد بيش نتعلم ونفهم شني هالكهرباء هذي بالضبط !؟ .. لأني ومن أيام كنت صغير ومتحير فيها !!؟؟ .. شنو تكون هالكهرباء؟؟ وشنو سر الكهرباء؟ نريد نتعلم ونعرف ونفهم؟ .. شنو خلاص درت جريمه يعني يا بن والدي كان خشيت معهد الكهرباء!!؟؟

- لا حول ولا قوة إلا بالله !!!! .. وليش عاد دوراة الشر بالله عليك ؟؟؟؟ .. مالك ومال الكهرباء يا بني آدم !!؟ ما لك ومال الكهرباء؟؟؟؟.. هاذي نتيجة وآخرة تفريجك على "ذكر النمل" سي مصطفى محمود ما مصطفى محمود؟ .. مش قتلك ونصحتك تفكك منه ومن دوته الفاضيه كم مره؟ .. أيش دخلك بالنمل والكهرباء !!!؟؟ .. راهي الكهرباء هذي كيف الحكومه ما تنقرب بالكل !! .. وبعدين مش نصحتك كم مره وقلت لك إتفرج على برنامج "أيش قال صاحب العقل" خيرلك الف مره من القطاف الفارغ متاع سي مصطفى محمود هذا؟؟؟ .. شفت توه؟؟ .. آهو تبي تخش على الكهرباء ما الكهرباء !! ..الشفاعه يا رسول الله !!.

وإستمر النقاش الحاد بيني وبين إبن عمي "البدوي" ذاك إلى ما يقارب الساعة! .. والمسكين ظل يحاول أن يثنيني عن عزمي بالدخول لمعهد الكهرباء بل وحاول إقناعي بالدخول للمعهد الديني أو على الأقل حسب رأيه الإلتحاق بالشرطة! .. ولكن دون جدوى فقد أكدت إليه أن قراري قرار أخير ونهائي ولا رجعة عنه! .. (معهد الكهرباء يعني معهد الكهرباء)! .. فما كان منه إلا أن نظر إلىّ بعينين دامعتين محمرتين إختلط فيهما الغضب بعاطفة الشفقه على ذي القربى وغادر المكان يجر رجليه جرا ً في يأس ٍ وإحباط ٍ وعدم تصديق وهو يضرب كفا ً بكف في أسف وحسره وهو يقول لي :

- الحصيلو مستقبلك كله حيقعـد على خيط ظي !!! .. مرهون في "شركويتو" واحد بس وتلقى روحك تبكي وتغني " يا ريتني ما ريته سود أنظاره .. سود أنظاره " ! .. لا حول ولا قوة الا لله .. الشفاعة يا رسول الله !!!.

ثم مضى في حال سبيله ومضيت أنا في حال سبيلي وتخرجت من معهد الكهرباء بتقدير جيد جدا ً – الترتيب الرابع على مستوى ليبيا - وإشتغلت فترة في محطة توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر بـ"الزويتينه" ثم إلتحقت بجامعة "النجم الساطع" بالبريقه لإكمال دراستي فيها إلا إنني لم أكمل دراستي فيها هناك لإسباب متعددة يطول شرحها هنا ولكن يأتي على رأسها أحداث مايو عام 1984 والتي شكلت يومها صدمة نفسية وطنية عنيفة بالنسبة لي هزت ضميري وأقحمتني في عالم المعارضة السياسية للنظام!.

والشاهد هنا أنه سواء صحت هذه النصيحة الموروثة حول "الموبقات الثلاث" أم لم تصح فإنني بلا شك قد إرتكبت هذه الموبقات الثلاث دفعة واحدة :

أولا ً بدخولي إلى معهد الكهرباء فأصبح مستقبلي بالتالي وعلى حد رأي إبن عمي " على خيط  ظي ومرهون في شركويتو وينتهي كل شئ"! .

ثانيا ً بعدم تصديقي لحكاية المرابطين وما أدراك ما المرابطين والأضرحة ما الأضرحة وسخريتي حتى اليوم ممن يلجأون إلى قبور الأموات طلبا ً للمساعدة في تفريج الكروب وإعتقادهم أن الموتى يضرون وينفعون الأحياء ! .. مما قد يعرضني مستقبلا ً - أي بسبب سخريتي من هؤلاء وأسيادهم الموتى - إلى خطر داهم حيث من المرجح – حسب كلام الكثير من أبناء عمومتي المؤمنين بصلاحيات وسلطات المرابطين وخصوصا ً سيدهم عبد السلام الأسمر – " سع يحشموا فيك وتركبك شئ دعوة شر"!!!! .. "سع تشوف ؟ وتعرف أنهم حق ؟؟؟ .. سع تشوف !!؟؟" .

وثالثا - ثالثة الأثافي - والموبقات التي إرتكبتها هي دخولي على خط المعارضة للعقيد القذافي أي في مواجهة السلطة والحكومة القائمة في ليبيا اليوم! .. مما قد يعرضني في المستقبل أيضا ً وعلى حد تعبير أحد أبناء عمومتي " لشي دعوة شر" !!!.

فأنا – إذن – والحال هذه - إرتكبت الموبقات أو المهلكات الثلاث وإنتهكت الخطوط الحمراء الثلاث وفق المعايير البدوية السابق ذكرها مرة واحدة وحياتي بالتالي في خطر مستمر ومع ذلك فإن قبيلتي "المغاربه" لم تتبرأ مني حتى اليوم مع أن البعض منهم حاول التزلف للنظام بهذا الخصوص ولكن الآخرين رفضوا وقالوا لمرسول القذاذفة : " آهو قاعد بره وبينكم وبينه"!.

وحتى لو تبرأت مني قبيلتي أو عشيرتي أو حتى عائلتي فرضا ً فهذا لن يغير شيئا ًولن أغير موقفي لا من "المرابطين" ولا من "الكهرباء" ولا من "الحكومه" وأمري لله!.. بل حتى لو إنتهت هذه "الحكومة" الحالية وحلت محلها حكومة جديدة أخرى وتشكلت من مجموعة من المعارضين الحاليين ثم نهجوا نهج القذافي في الحكم والقيادة فسأعارضهم وأنهج معهم نهجي الحالي مع حكومة ونظام العقيد القذافي وأنا وإياهم والزمن طويل !.. وأمري لله !.. بل حتى لو غيروا محطات الكهرباء الحالية في ليبيا مستقبلا ً من محطات تعمل بالنفط  إلى محطات تعمل بالطاقة النووية فإن قصة إعجابي وغرامي بالكهرباء لن تنتهي !.. وأمري لله!. 

ولن أتحدث هنا بالتفصيل عن حالة الخوف الشديد من الكهرباء أي "فوبيا الظي" ولا حالة الخوف من "المرابطين" وما أدراك ما "فوبيا المرابطين" المنتشره في المجتمع الليبي "البدوي" ثقافيا ً .. ولكني سأتحدث عن "فوبيا الحكومة" أي عقدة الخوف من "الحكومه" المبالغ فيها لدينا منذ عهد الأتراك! .. فعلى الرغم من شيخوخة النظام الحالي وإرتخاء قبضته الأمنيه البوليسية وعلى الرغم من كل التبدلات الدولية والمحلية التي لم تعد تسمح بممارسة العنف المطلق كما هو الحال أيام زمان إلا أن حالة الخوف من "الحكومة" لا زالت قائمة ومستحكمة في عقول ونفوس الكثير من الليبيين من الحضر والبدو على السواء! ….. وسأحكي لكم في الجزء التالي من المقاله قصة ذلك المواطن الليبي الشجاع الذي قرر ذات مرة كسر حاجز الخوف أيام عز الخوف ولو بخطوة بسيطه! .. وربما مضحكة !! …. يتبع

سليم نصر الرقعي

(*) أهل الشرق يطلقون على أهل البادية لفظ "البوادي" بينما أهل الغرب يطلقون عليهم لفظ "البداوه" وكما ينكت أهل الحضر في الشرق والغرب على أهل البادية فإن أهل البادية في الشرق والغرب لديهم نكت وقصص كثيرة على أهل الحضر والمدن يا ليت نجد من يجمع هذه النكت والطرائف في كتاب!.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حكايات ومواقف ساخره, حكاياتي الشخصية |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول