هل أنا جبهاوي أم إخواني !؟
كتبهاسليم الرقعي ، في 8 نوفمبر 2009 الساعة: 15:43 م
هل أنا جبهاوي أم إخواني !؟
- سؤال وجواب -
أرسل لي أحد القراء رسالة إختلط فيها الحابل بالنابل والجد بالهزل سألني فيها عن هويتي وإنتمائي السياسي هل أنا "جبهاوي" أي أتبع نهج "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" تجاه نظام العقيد القذافي أي من أصحاب التوجه الجذري الإستئصالي أم أنا " إخواني" أي أتبع نهج "الإخوان المسلمين الليبيين"؟ أي من أصحاب التوجه التصالحي الإصلاحي التدريجي؟؟ .
فكان جوابي هو أنني وكما ذكرت في مقالة لي سابقة بعنوان (هل أنا إصلاحي أم جذري أم ألعب على الحبلين!؟) لست منضويا ً تحت أي تنظيم سياسي حتى الآن ولست سياسيا ً بالمعنى الإصطلاحي للكلمة لأنني بالفعل لا أجيد فن اللعبة السياسية التي تحتاج إلى موهبة خاصة وخبرة جيدة وصبر طويل ودهاء كبير بل ولا أطمح للدخول في هذه "اللعبة" أصلا ً حتى ولو أصبح النظام السياسي في ليبيا الغد نظاما َ ديموقراطيا ً يسمح لليبيين بممارسة العمل السياسي الحر والمعارض بكل حرية وأمان كما في العالم المتقدم سياسيا ً.. فالسياسة لها أهلها ولها شروطها .. ومع ذلك فأنا "مثقف وطني" مستقل أحمل مجموعة من الأراء والأفكار السياسية حول "النظام السياسي" الأمثل والأفضل الذي أتمنى أن أراه قائما ً في بلدي ولي إنتقادات شديدة للفكر السياسي – وبالتالي النظام السياسي – القائم والسائد في ليبيا اليوم – فكر ونظام العقيد معمر القذافي - كما أن لي إنتقادات وملاحظات على تصرفات العقيد القذافي التي أعتقد أنها تعود بالضرر على ليبيا وعلى الحياة السياسية والإقتصادية فيها.
فأنا كمثقف وطني مستقل أطمح أن أرى حياة سياسية وحياة إقتصادية وحياة إجتماعية سليمة وكريمة في بلادي تساهم في دفع الأفراد إلى الأمام وفي رفع مستوى حياتهم إلى أفضل مقام ممكن!.. ولأكن واقعيا ً معكم ومتواضعا ً في أحلامي فإنني لا أطمع كثيرا ً في أن نصبح في ليبيا حاليا ً من حيث النظام السياسي وحرية الصحافة كبريطانيا أو سويسرا مثلا ً فهذا يكاد يكون مستحيلا ً حاليا ً ولكن لماذا لا نصبح من الناحية السياسية وحرية الصحافة والتعبير على الأقل كموريتانيا أو لبنان أم هذا كثير على الليبيين ؟! .. كذلك الحال فيما يتعلق بالرفاهية الإقتصادية والإجتماعية والناحية الإدارية والعمرانية ومستوى التعليم والصحة لإانا لا أطمع حاليا ً أن تصبح ليبيا ككندا أو السويد مثلا ً فهذا صعب خلال هذه الحقبة ولكن على الأقل لماذا لا نصبح كالإمارات وقطر والكويت!؟ .. أم هذا كثير على الليبيين !!؟؟ …. فهل بالله عليك - يا عزيزي - إذا تطلعت أن تصبح ليبيا من الناحية السياسية كموريتانيا أو لبنان أو حتى الكويت ؟؟؟؟ وإذا تطلعت وطمعت أن تصبح ليبيا من ناحية العمران والصحة والتعليم ورفاهية المواطنين كقطر أو الإمارات فإنني أكون شخصا ً مثاليا ً وطوباويا ً متنطعا ً وغير واقعي !!؟؟ .. فأنا لا أطالب أن تصبح ليبيا اليوم كبريطانيا أو كندا أو سويسرا ولكن على الأقل كالكويت والإمارات وقطر وكلبنان وموريتانيا فقط يا عالم !!!؟؟؟
ثم ولأنني أحمل الكثير من الأراء السياسية التي كونتها نفسي بنفسي من خلال القراءة والإستقراء ومتابعة أحوال بلادي فإنني قد ألتقي مع هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة الليبية في بعض القضايا والتحليلات والأهداف والغايات .. فهذا وارد وأمر طبيعي .. فمثلا ً أنا أتفق مع "الجبهة" في عدة نقاط يمكن إختصارها فيما يلي :
(1) إن العقيد معمر القذافي - شخصيا ً وسياسيا ً - هو المسؤول الأول والأكبر عن كل الكوارث التي حلت بالشعب الليبي خلال الفترة السابقة وهو المسؤول الأول عن كل الدماء التي سُفكت بغير وجه حق والأموال العامة التي بُددت على الأوهام والمشروعات الفاشلة .. ولا يمكنه بحال من الأحوال التنصل من هذه المسؤولية التاريخية والسياسية فهو الذي كان – ولا يزال – يتولى مركز وكرسي قيادة سفينة دولتنا الوطنية وهو من قادها وورطها في كل هذه المصائب وكل هذه التجارب وهو بالتالي المسؤول الأول والأكبر – وليس الأوحد والوحيد بالطبع ! – ولا مفر !.
(2) لا يمكن تصور حدوث إنفراج سياسي حقيقي وإصلاح سياسي حقيقي مادام العقيد معمر القذافي على رأس سلطة القيادة .. قيادة سفينة الدولة الليبية .. فمادام هو القائد الفعلي فلا ضمان ولا أمان .. فما خبرناه وعرفناه عن شخصيته وسلوكه خلال كل تلك العقود الماضية تؤكد لنا هذه الحقيقة الساطعة والقاطعة لذلك لا يمكن تصور إنفتاح وإصلاح سياسي حقيقي وجاد مادام معمر القذافي شخصيا ً يتولى مركز وكرسي القيادة ويتمتع بكل هذه الصلاحيات الواسعة والمطلقة تحت غطاء الشرعية الثورية .
(3) إن البديل السياسي الأفضل لليبيا الغد – ليبيا ما بعد القذافي – هو (البديل الوطني الدستوري الديموقراطي الراشد) الذي يستلهم عقيدة الشعب الليبي وينضبط بالإطار الحضاري والثقافي للأمة .
فهذه هي النقاط الأساسية التي أتفق فيها مع إخواني المناضلين في "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" كما أتفق معهم في مطلب "تنحي" العقيد القذافي عن منصب قيادة البلد كخطوة ضرورية ولازمة لبدء حياة سياسية جديدة في ليبيا وإجراء تغيير سياسي حقيقي في البلد أما كيف يمكن الوصول إلى تحقيق هذه "الغايات" الوطنية المتفق فيها معهم فهو أمر يخضع للإجتهاد السياسي والرأي السياسي والتقدير السياسي حسب معطيات ومستجدات وإمكانات الواقع المختلفة …. والأراء والتقديرات والإجتهادات السياسية قابلة للأخذ والرد ووبالتالي فإن الإختلاف فيها أمر طبيعي كما هو معلوم .
أما "جماعة الإخوان المسلمين الليبية" فإنني أتفق معهم بشكل عام – ومن حيث المبدأ - وكإسلامي - في ضرورة أن تكون المرجعية في أعمالنا ونشاطنا السياسي بل وفي مشروعنا ونظامنا السياسي والقانوني كله هي الإسلام .. الإسلام بالفهم الوسطي المعتدل المستنير .. كما إنني أتفق معهم في الكثير من مطالبهم السياسية الأخرى كضرورة توفير الحريات العامة لليبيين وتحقيق دولة المؤسسات والقانون .. كما إنني أرى أن إختيارهم للمدخل الإصلاحي السلمي التدريجي للوصول إلى التغيير السياسي المنشود يتفق مع فلسفة ومنهج الجماعة وخطها العام .. ولابد من الإعتراف أيضا ً أن إجتهادهم السياسي هذا قائم على عدة إعتبارات دينية وواقعية أي أن له ما يبرره.
والجماعة – وأقصد هنا جماعة الإخوان بشكل عام لا الجماعة الليبية فقط – كانت لها تجربتها في محاولة التغيير بالقوة ورفع السلاح في وجه الدولة في عدة أقطار عربية كسوريا والسودان ثم إستقر الحال والمنهج على إستعمال الطرق الإصلاحية والسلمية فقط في مواجهة النظم (الدكتاتورية) العربية بحيث لا يتم شهر السلاح إلا في حالة التعرض للإحتلال الاجنبي فقط وماعدا ذلك فلابد من الصبر وإحتساب الأجر لله مع الإصرار على المطالب الأساسية المشروعة وضرورة مراعاة سنة التدرج والمراحل في عملية التغيير.. فأنت - حسب منهجهم السياسي - إذا لم يمكنك رفع الظلم والطغيان برمته عن شعبك كله بضربة واحدة ودفعة واحده فعلى الأقل حاول أن تقلل من هذه المظالم والمفاسد قدر الإمكان وعلى مراحل ! .. لأن " ما لا يدرك كله لا يترك جله"! .. وهذه المبادئ والقواعد السياسية والشرعية العامة معلومة ومفهومة لديهم وهم يحاولون الإنضباط بها .. ولهذا فأنا أحترم إجتهاد الإصلاحيين والإخوان المسلمين من هذه الناحية .. وأقر لهم بحقهم في الإجتهاد ومحاولة العمل في هذا الإتجاه التغييري ولكن ليس بوسعي القطع بأن إجتهادهم هذا صحيح 100 % من الناحية السياسية ولا القطع بأنه سيؤول بالفعل إلى تحقيق النتائج المرجوة منه أو أنه لن يؤدي إلى نتائج عكسية تصب في خانة تعزيز الطغيان وإستمرار حالة الديكتاتورية! .. من يدري ؟؟!! .. فالعمل السياسي كما هو الحال في العمل التجاري يتضمن نوعا ً من المجازفة والمخاطرة وبالتالي فهو قد يصيب وقد يخيب ! .. وتبقى الأمور بالنهاية - وحتى مع أخذنا بكل أسباب النجاح والسلامة والإصابة - بيد الله سبحانه وتعالى وحده يقدر ما يشاء وهو العليم الحكيم.. فحتى النبي نفسه - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد سياسيا ً من أجل تمكين الدين وتحقيق غاياته.
والشاهد هنا أنه - وبالنهاية - فإن "الأهداف والمطالب العامة" تكاد تكون واحدة ومتفق عليها بين جميع أو معظم القوى السياسية والوطنية .. وهذه "المطالب العامة" معروفة ومشهورة ومنشورة وليست سرا ً أو طلاسم علمية غامضة تحتاج إلى خبير في علم الذره كي يستشفها ويعرفها! .. وهذه "المطالب العامة " منها ما يتعلق بـ(المطالب الشعبية) العامة المتعلقة برفع مستوى المعيشة وتحسين الخدمات العامة وتحقيق الأمن والرفاه للمواطنين بشكل يليق ببشر ومواطنين يعيشون في دولة نفطية ثرية لا يتعدى سكانها الستة ملايين !!!!؟؟ .. ستة ملايين فقط لا غير يا عالم !!!!!؟؟؟ .. ومنها – أي هذه المطالب العامة المعروفة - ما يتعلق بـ(مطالب النخبة الليبية) السياسية والمثقفة وهي مطالب تتعلق بالحريات السياسية العامة وحقوق الإنسان وطريقة إدارة الشأن العام والدستور ……. إلخ وهي أمور ومطالب لا تشد إنتباه العامة من الناس ! .. فأنا ممن يعتقدون حتى هذه اللحظة أن الديموقراطية مثلا ً هي مطلب نخبوي لا شعبي في عالمنا العربي ! .. ثم ومع هذا الإتفاق العام على هذه المطالب الوطنية العامة ( الشعبية والنخبوية) تبقى الوسائل والأساليب المتبعة في الوصول إلى هذه "الأهداف" الوطنية والإنسانية (الغالية) والحصول على هذه "المطالب" الشعبية والنخبويه العامة وطريقة تحقيقها هي محل إجتهاد سياسي وموضع تقديرات عقلانية وسياسية تختلف فيها الأراء.
والإصلاح السياسي التدريجي بالنهاية – طال الزمان وقصر - يؤدي شيئا ً فشيئا ً إلى هدف تفكيك النظام الشمولي المتعنت وتحقيق الكثير من المطالب العامة ولكن يبقى للقوى الوطنية (الجذرية والثورية) هنا حق محاولة تجاوز كل هذه المراحل البطيئة ومحاولة حرقها والقفز فوقها من خلال منهج الثورة والإنقلاب أي من خلال محاولة تفجير قنبلة الغضب الشعبي في الشارع الليبي وقيادة ثورة وإنتفاضة شعبية في المدن الكبرى إذا أمكن تحقق هذه (المطالب العامة) بأسرع وقت ممكن ودون حاجة لكل هذا الوقت الطويل والمشي البطيئ كالسلحفاة لتحقيق المراد والوصول إلى التغيير المنشود ودون الحاجة لإستجداء السلطات ومحاولة إقناعها بإجراء التغيير المنشود والتنازل عن بعض سلطاتها وإمتيازاتها وضبط تصرفاتها وتحديد صلاحياتها ! .. فالثورة الشعبية - بنظر هؤلاء - أو حتى عملية التغلغل في الجيش للقيام بإنقلاب يطيح بالنظام القائم - تختصر الزمن كما أنها تحقق إنتقام الشعب من جلاديه والقصاص منهم وتسمح بقيام حياة ديموقراطية عامة في البلد! .. ومع إحترامي لهذا الخيار أيضا ً إلا أنه لابد من التنبيه هنا وكما ذكرت سابقا ً فإن "الثورة الشعبية" – ثورة الشارع - لا تحدث بشكل عفوي بل لابد من التنظيم والتخطيط وإعداد العدة وتجهيز الشعب وتحفيزه للقيام بالوثبة والهبة المطلوبة بشكل كثيف وبإصرار كبير مع إعترافنا أن بدايتها قد تحدث بالفعل بشكل عفوي وغير إرادي أحيانا ً.. فالثورات الكبرى الناجحة هي نتاج عمل واعي وإرادي إنساني منظم يتسق مع ظروف محلية ودولية ناضجة تساهم في إنجاح هذه الثورة في القيام أولا ً ثم في تحقيق أغراضها ثانيا ً!.. فهل يعمل المعارضون الجذريون اليوم داخل ليبيا بشكل عملي وجاد في هذا الإتجاه أم هي مجرد تمنيات !؟؟؟؟.
ومع ذلك فإن بعض أصناف الإصلاحيين من الإسلاميين وغيرهم هم ضد فكرة "الثورة الشعبية" أصلا ً ومن حيث المبدأ لأنهم يملكون تصورات دينية أو سياسية منفرة من نهج الثورات الشعبية والخروج المسلح وإعتبارها نوعا ً من أنواع "الفوضى والفتنة العامة"(!!؟؟) التي قد تطيح بمقومات البلاد وبالوحدة الوطنية والدينية للمجتمع المسلم أو تتسبب في إراقة الكثير من الدماء ثم ومع كل هذه الخسائر في الأرواح والأموال فهي قد لا تحقق أغراضها على حد رأيهم! .. وهذه "المخاوف" وهذه "المخاطر" التي يحذرون منها قد تكون محتملة بالفعل ولها ما يبررها وقد تكون واردة خصوصا ً في الثورات غير المنضبطة بتنظيم وقيادة موحدة ولهذا فإنهم يختارون الحل الأسلم حتى لو كان شديد البطء ولو كان يستغرق وقتا ً طويلا ً وربما أجيالا ً !!! .. ومع وجاهة وجهة نظر هؤلاء الإصلاحيين المتشككين في جدوى الثورات الشعبية والإنقلابات العسكرية وإحتمال وقوع ما يخشونه من مفاسد أشد من المفاسد التي ثار الناس ضدها إلا أن القيم الإنسانية العليا تظل تؤكد لنا دائما ً على حق الشعوب المقهورة والمظلومة في الثورة عندما يعم الظلم ويطم في الأمة بسبب طاغية سياسي جبار وتؤكد على حقها بل وواجبها في الإنتفاض الشعبي ضد جلديها ومستعمريها من أجل الخلاص والكرامة ولو سكبت في سبيل ذلك الدماء الغالية فثمن الحرية والكرامة ثمن باهض وكبير!! .. كما أن التاريخ يخبرنا أن الديموقراطية والعدالة الإجتماعية التي تتمتع بها بعض شعوب العالم المتقدمة اليوم لم تأت ِ على طبق من ذهب ولا لمجرد الحركات الإصلاحية السلمية بل جاء الكثير منها من خلال المرور ببوابة الثورات الشعبية ضد الملوك الظالمين وضد القوانين والأوضاع الظالمة والمتعسفة. لهذا وحسب إطلاعي على أحداث التاريخ وسنن الله الكونية في المجتمعات الإنسانية أقول إن وجود هذين الصنفين من الحركات التغييرية ومحاولات المقاومة للظلم والطغيان وتغيير الوضع الفاسد والخانق والظالم – مع إختلاف أساليب كل منهما – هو أمر طبيعي ولابد منه في كل المجتمعات! .. أي لابد من وجود الحركات الإصلاحية والحركات الجذرية على السواء!.. إلا أنه مع هذا الإعتراف بوجود هذين النوع من الإجتهاد السياسي نحو التغيير المنشود لابد من الإعتراف بوجود نوع من المتسلقين والإنتهازيين السياسيين الذين يتلحفون بثياب الإصلاح من أجل تحقيق أغراض ومصالح شخصية أو من أجل تبرير خيانتهم للقضيه وهزيمتهم النفسية والمعنوية أمام شراسة وطول أمد الطغيان! .. وفي المقابل - وفي الطرف الآخر- قد نجد ضمن التوجه الجذري بعض الغوغائيين والمهرجين الكبار والصغار الذين يكتفون بإطلاق التصريحات الثورية واللعنات الناريه في الهواء ليل نهار وربما من وراء ألف ستار ثم لا يأخذون بأسباب التغيير الجذري الجدي ولا هم يحزنون!.
مع خالص تحياتي : سليم نصرالرقعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رسائل وتعليقات القراء | دوّن الإدراج
























