هل سيتخلى القذافي عن نظام سلطة الشعب !؟
كتبهاسليم الرقعي ، في 4 نوفمبر 2009 الساعة: 17:36 م
هل سيتخلى القذافي عن نظام سلطة الشعب !؟
- وماهو سر إستمساكه بمسرحية سلطة الشعب حتى الآن!؟ -
يعتقد البعض جازماً أن العقيد معمر القذافي فرض الكتاب الأخضر على الشعب الليبي - من فوق - لإعتقاده الشخصي - صادقاً ومخلصاً - أن ماجاء في هذا "الكتيب" هو الحق المطلق والحل الأمثل والأفضل للمشكل السياسي في العالم ولإعتقاده أيضاً أنه حل قابل للتنفيذ والتطبيق العملي الرشيد والتحقق الفعلي والفعال والمفيد ولإعتقاده أن هذا الحل الإفتراضي هو وحده - لا سواه !؟ - هو الحل الوحيد والصحيح الذي يحقق الديموقراطية الحقيقية ويجسد الإرادة الشعبية للناس!.
بينما يعارض آخرون هذا الرأي ويعتقدون جازمين أن العقيد معمر القذافي نفسه كان يعلم - ومنذ البداية - أن ما جاء في الكتاب الأخضر حول "سلطة الشعب المباشرة" إنما هو مجرد نظريات إفتراضية خيالية طوباوية عن الديموقراطية الشعبية المباشرة بشكلها الساذج المثالي البسيط غير القابل للتطبيق الفعلي في واقع الناس الحقيقيين وقد تلقف العقيد القذافي هذه الأفكار الراديكالية المثالية الطوباوية عن الديموقراطية من عدة كتابات عربية وشرقية وغربية (1) ودونها أو دُونت له في الكتاب الأخضر!.. فالشعب في الواقع العملي لا يمكن أن يحكم نفسه بنفسه بالطريقة الشكلانية "الإستاتيكية" الساذجة التي تم عرضها في الكتاب الأخضر بكل تلقائية وعفوية وإنما سيظل "الأقوياء" دائماً في المجتمع يتنافسون على السلطة وعلى قيادة الدولة وعلى المراكز الحساسة فيها ويظل المتنفذون في المجتمع - من أمثال العقيد القذافي وأركان حكمه وأولاده وأبناء عمومته وقادة الأجهزة الأمنية واللجان الثورية - هم من يحكمون بالفعل في الواقع العملي وهم من يسيطرون على مراكز ومفاصل الدولة بالفعل ولو حتى من وراء مسرحية وستار وشعار سلطة الشعب!.. وذلك لأن الكتاب الأخضر نفسه يؤكد في نهاية عرض الفصل الخاص بمايسمى بسلطة الشعب - كما يتصورها مؤلف هذا الكتاب أياً كان (2) أن هذا التصور المثالي لسلطة الشعب الذي عرضه خلال الصفحات السابقة والمقولات الأساسية إنما هو تصور إفتراضي من الناحية النظرية فقط ولكن - وفي الواقع العملي للمجتمع - فسيظل الأقوياء هم من يحكمون دائماً!.. فيقول صاحب الكتاب الأخضر حرفياً في آخر سطر من الفصل الأول من الكتاب الأخضر:
((هذه هي الديمقراطية الحقيقية من الناحية النظرية.. أما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء دائماً يحكمون… أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم.)) !!!!!!!؟؟؟؟.
بل إن مؤلف هذا الكتاب يذهب إلى أبعد من ذلك وإلى حد التحذير من تطبيق هذه النظرية (الإفتراضية) (المثالية) على أرض الواقع !!!.. لماذا ؟؟!!. لأنها ستنتهي عندئذ إلى إنتشار الفوضى العارمة والغوغائية العامة في المجتمع (!!!!) إذا لم يحل محلها نظام سياسي تقليدي ديموقراطي أو غير ديموقراطي!!!.. فيقول حرفياً في نهاية الفصل الأول:
((إن عصر الجماهير وهو يزحف حثيثاً نحونا بعد عصر الجمهوريات يلهب المشاعر، ويبهر الأبصار، ولكنه بقدر ما يبشر به من حرية حقيقية للجماهير، وانعتاق سعيد من قيود أدوات الحكم… فهو ينذربمجيء عصر الفوضى والغوغائية من بعده، إن لم تنتكس الديمقراطية الجديدة التي هي سلطة الشعب … وتعود سلطة الفرد أو الطبقة أو القبيلة أو الطائفة أوالحزب)) !!!!؟؟؟؟.
ومع ذلك - أي مع علم العقيد القذافي المسبق أصلاً بهذه الحقائق العملية وهذه النتائج الفعلية لهذه الديموقراطية الشعبوية إذا طبقناها ومع علمه بأن هذه النظريه غير قابلة للتطبيق الحقيقي فعلاً وأن حالها سيؤول حتماً إلى إنتشار الفوضى وشيوع الغوغائية - قرر وأصر يومها على أن يطبقها على الشعب الليبي ويجعلها الغطاء الرسمي والشكلي لنظام حكمه الفعلي!!.. فلماذا !؟؟.
وفق هذا الرأي فليست المسألة هنا مسألة تورط عقل شاب يساري وناصري متحمس وغاضب على الوضع القائم والمجتمع الليبي التقليدي في وهم إيديولوجي كبير وحلم طوباوي غرير ظن وإعتقد - بسذاجة وبصدق وإخلاص وحسن نية في بداية شبابه - أنه هو الصواب المطلق وأنه هو "الحل الفعلي" وأن هذا الحل "البسيط المثالي" قابل للتحقق العملي والمجدي بالفعل بل المسألة هنا - وفق هذا الرأي الذي يستعبد وجود "حسن النيه" - مسالة نصب وإحتيال سياسي على شعب بأسره مع سبق الإصرار والترتيب والترصد!!.. فالعقيد معمر القذافي هنا - وحسب هذا الرأي - "دجال ونصاب ومحتال سياسي كبير وخطير" من الطراز الأول أعد الكتاب الأخضر على مقاسه وعلى هواه - أو أعد له؟- مع سبق تخطيط وتدبير لغرض في نفسه ولمأرب سياسي خبيث!!.. أي أنه وكما إحتال على رفاقه الأغرار من الإنقلابيين وغرر بهم ونصب عليهم وإستغفلهم وضحك على ذقونهم بجملة من الوعود الكاذبة والشعارات الخادعة حتى وصل للسلطة على ظهورهم ثم تخلص منهم واحداً بعد الآخر أو همشهم إحتال ونصب - كذلك وأيضاً - على الشعب الليبي (الأمي البسيط) وإدعى بأنه قد سلمهم السلطة والثروة والسلاح وأصبح بالتالي هو - بشحمه ولحمه - خارج السلطة بينما الحقيقة الواقعية تصرخ بأنه لم يسلمهم أي شئ وأنه هو من يحكم ليبيا ويقودها منذ يوم الإنقلاب حتى اليوم!.. فهو الحاكم الفعلي والشعب الحاكم الشكلي!!.
فالعقيد القذافي - حسب هذا الرأي الثاني - لأنه أراد أن يبقى في السلطة - سلطة قيادة الدولة - والإستفادة بمزاياها الضخمة والفخمة بلا رقيب ولا حسيب ودون أن يتحمل المسؤولية عن تصرفاته فيها فلم يجد أفضل وأبدع من هذا "الثوب" الفضفاض والمهلهل وغير التقليدي الذي إلتقفه من أفكار بعض الكتاب والمفكرين العرب وغيرهم ليمرر من تحته ما يريد ويشتهي من أغراضه السياسية المختلفة وتعطشه المحموم للسلطة والمجد والشهرة والسلطان تحت ستار مسرحية وأخدوعة وألعوبة سلطة الشعب بحيث يظل في الواقع العملي هو الحاكم الفعلي لليبيا بينما يقال لنا وللعالم - في إصرار عجيب - بأنه قد سلم السلطة والثروة والسلاح للشعب الليبي منذ عام 1977 وإنتهى الأمر!.. وبأنه قد أصبح - منذ ذلك الوقت - خارج السلطة يسكن في خيمه ويرتدى عباءة ويشرب من حليب ناقة لا أكثر ولا أقل!!!!.. وصدق أو لا تصدق!!؟.. أليس هذا غاية الإبداع في فن الدجل السياسي بالله عليكم!؟؟؟.. وليس هذا وحسب وإلا لهان الأمر بل سُيقال لنا جهاراً نهاراً دون حياء وعلى الملأ - وبالعين القويه - بأنه هو وأفراد أسرته يعتبرون هم "المحروم الأول" - ورقم واحد - من ثروة المجتمع ومن خيرات النفط الليبي!..وصدق أو لا تصدق!؟.

وبين الرأي الأول والرأي الثاني هناك رأي ثالث مشترك - أنا شخصياً أميل إليه - وهو يقوم على فرضية أن العقيد القذافي كان في البداية يعتقد مخلصاً أن مايُسمى بنظرية سلطة الشعب قابلة للتطبيق بالفعل وأنها هي الحل الأعدل والأفضل والأمثل للمشكل السياسي لكنه إكتشف بعد ذلك - أي من خلال الممارسة الفعلية وبعد محاولة تحقيقها على أرض الواقع - بأنها مجرد نظرية مثالية راديكالية لا تحقق الديموقرطية بالفعل ولا تحل المشكل السياسي ولا هم يحزنون!.. ولكنه - ومع هذه القناعة الجديدة المستخلصة من التجربة قرر - وقد تذوق طعم السلطة المطلقة! - إستمرار الوضع الحالي والشكل الرسمي على ماهو عليه!.. لماذا؟. الجواب: ليستمر في السلطة وليحكم من وراء غطاء هذه الأكذوبة والألعوبة السياسية الكبيره حتى النهاية ويمارس صلاحيات واسعة ومطلقة في الشأن العام وفي المال العام وفي السياسة العامة وتوجهات الدولة بلا رقيب ولا حسيب ودون مساءلة من أحد بل وليحاول توريث "مركز قيادة الدولة" - الذي يشغله حالياً - لأحد أولاده من بعده تحت هذا الغطاء غير التقليدي وهذا الثوب الفضفاض والمهلهل ذاته المسمى بالنظام الشعبي والجماهيري البديع!!.. نظام سلطة الشعب!.. لذلك تجده لا يكل ولا يمل من تكرار قوله وتحذيره:
"سلطة الشعب خيار نهائي وتاريخي لا رجعة عنه ولا حيدة عنها وسنضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه الإلتفاف عليها أو القضاء عليها !"
وهو حينما يقول ذلك نعرف - تمام المعرفة - أن الدافع الحقيقي وغير المعلن وراء تمسكه بكل هذه المسرحية السياسية والملهاة القديمة والكبيرة المسماة بسلطة الشعب إنما هو دافع سلطوي شخصي خاص يتعلق بتمسكه بالسلطة إلى آخر لحظة في حياته وهو ديدن الطغاة!.. وأن تمسكه بهذا النظام الفضفاض المهلهل يشبه إلى حد بعيد تمسك المرء بورقة التوت الأخيرة التي تستر عورته والتي يخشى إن سقطت فإنه سيصبح عندها عرياناً بالكامل أمام الناس بشكل مكشوف في العراء دون أي غطاء!.. ولكن أين المفر؟ فقد إتسع الخرق على الراقع!.. والناس إنتبهت والعقول نضجت والعيال كبرت والناس بدأت تفهم وتعي ما حصل وأصبح هذا الغطاء الفضفاض الحالي وهذا الثوب القديم البالي كثير الثقوب كبير العيوب تعرف الناس ما تحته وتعرف حقيقة ماوراءه بل وتبصره بعين اليقين!.. فأين المفر؟.. فالتاريخ لا يرحم والكذب مهما طال فحبله قصير وعاره كبير والعار أطول من العمر بكثير!.. فأنت تستطيع أن تكذب على الناس بعض الوقت وتستطيع أن تكذب على بعضهم كل الوقت ولكنك أبداً لن تستطيع أن تكذب على كل الناس كل الوقت!.
سليم نصر الرقعي
________________________________________
(1) تأثر العقيد القذافي بأراء الكاتب المصري "عصمت سيف الدولة" في سلسلة كتبه الشهيرة "الطريق إلى الثورة العربية" حيث وجه هذا الكاتب إنتقادات شديدة للديموقراطية البرلمانية النيابية وشرح تصوره لممارسة "الجدل الإجتماعي الجماهيري المباشر" عن طريق الملتقيات الشعبية في كل مكان كما أن الشيوعيين الفوضويين الذين تأثر القذافي بمدرستهم يرفضون فكرة الحكم النيابي ويؤمنون فقط بالديموقراطية الجماهيرية المباشرة مع ضرورة التخلص من "الحكومات" والهيكلية التقليدية للدولة الحالية القائمة على السلطوية والتراتبيه!.
(2) هناك أقاويل تتردد منذ فترة أن من قام بتأليف الكتاب الأخضر هو كاتب سوداني غير مشهور وآخرون يقولون أنه لبناني وليس سودانيا ً!.. وفي ليبيا هناك شائعات تنسب الكتاب الأخضر للصادق النيهوم بينما يقول آخرون أن الصادق لم يؤلفه ولكنه ساهم في إعداده وصياغته وإخراجه بتلك الصورة التي عليها فقط والله أعلم فنحن حتى الآن لم نطلع على مصادر الكتاب الأخضر!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مناقشات لفكر القذافي ونظريته | دوّن الإدراج

























